مع تزايدِ وتيرةِ العنفِ في سوريا وازديادِ وتيرةِ التصريحاتِ التي تؤكدُ وصولَ الأزمةِ إلى أفقٍ مسدودٍ وتنفي أيَّ أمكانيةٍ للتوصلِ إلى حلٍّ سلميٍّ ولو جزئيٍّ للأزمةِ، يبقى التقاعسُ الأمميُّ عنِ الدعمِ الفعليِّ للمعارضةِ سيّداً رغمَ كلِّ آياتِ الدعمِ اللفظيِّ التي تُتلى بكرةً وعشيًّا في معظمِ المحافلِ الدوليةِ. كانت فرنسا منذُ بدايةِ النزاعِ السوريِّ أكثرَ الدولِ الغربيةِ تحمساً للمعارضةِ كما كانت تركيا أكثرَ الدولِ الإقليميةِ دعماً للثورةِ لكنَّ أياً من الدولتينِ لم تقدّمِ الدعمَ العسكريَّ اللازمَ لحسمِ المعاركِ على الأرضِ. وفيما أوصدتْ تركيا حدودَها أمامَ اللاجئينَ السوريينَ، وانشغلت فرنسا بتصفيةِ الإسلاميينَ في مالي تُرِكَتِ المعارضةُ السوريةُ فريسةً لتطرفَينِ: تتطرفُ النظامِ في استعمالِ القوّةِ والتطرفُ الإسلاميُّ الذي يكسبُ المزيدَ من الأرضِ والدعمِ بالمالِ والسلاحِ والعناصرِ مقابلَ انحسارِ الانجازاتِ الميدانيةِ للجيشِ الحرِّ. ورَغمَ إجماعِ الأطرافِ الأمميةِ المعنيةِ بالأزمةِ من قريبٍ أو بعيدٍ على أنَّ أمدَ الصراعِ سيطولُ لسنواتٍ لا نلمسُ أي حماسٍ دوليٍّ للتدخلِ وحسمِ الموقفِ عملانياً، اللهمَّ إلا التدخلَّ الروسيَّ لتسليحِ النظامِ المتهاوِي وكأنَّ جُلَّ المطلوبِ هو إطالةُ أمدِ النزاعِ لا الحسمَ فيه.
استنزافُ الدولةِ والأطرافِ
توازنُ القوى مطلوبٌ دولياً في سوريا إلى أن تستزفَ الأطرافُ المتحاربةُ بعضُها بعضاً من جهةٍ وتستنزفَ مشتركةً مواردَ البلادِ وقدراتِها الاقتصاديةَ حتى الرمقِ الأخيرِ. ومعَ إطالةِ أمدِ الصراعِ سيكونَ تأثيرُ الدولِ على الخريطةِ السوريةِ مضاعفاً في ظلِّ وهنِ جميعِ الأطرافِ وعجزها متفرقةً عن الحكمِ كما سيضمنُ استمرارُ الصراعِ وعدمُ الحسمِ فيه حصولَ معاركَ جانبيةٍ بين أطرافِ المعارضةِ وأطيافِها مما سيمنعُ بالتالي اجتماعَها للحكم من دونِ الغطاءِ الدوليِّ والارتهانِ الاقتصاديِّ لأطرافٍ خارجيةٍ. ولعلَّ تركيا تسعى من خلالِ دعمها للمعارضة السورية المعنويِّ حصراً مع إبقاءِ القوةِ العسكريةِ لتلك المعارضةِ ضمنَ إطارٍ متواضعٍ إلى لعبِ دورٍ إقليميٍّ أكبرَ في سوريا الضعيفةِ بعد الحربِ. والمنطقُ عينُه يحكمُ تعاطيَ الدول الغربيةِ مع المعارضةِ السوريةِ. وقد لا يكونُ العاملُ السياسيُ وحدَه ما يحكم علاقةَ تركيا بالمعارضةِ السوريةِ إذ لا شكَّ أن الاقتصادَ التركيَّ سيجد لنفسِه فرصاً أوسعَ مع ضربِ أركانِ اقتصادٍ إقليميٍّ منافسٍ. وفي الوقتِ عينِه قد ينتظرُ الغربُ أكبر كمٍّ من الدمارِ في سوريا على جميع المستوياتِ قبل أن يمدَّ يدَ التدخلِ حتى تكونَ لاستثماراتِ ما بعدَ الحربِ حجمُها وأرباحُها.
الحربُ باالإنابةِ
لقدْ ساهمَ وقوفُ المجتمعِ الدوليِّ مكتوفَ الأيدي إزاءَ العنفِ السوريِّ في تصاعدِ القوى الأصوليةِ التي تنمو على الفراغينِ السياسيِّ والأمنيِّ وتجدُ لنفسِها تمويلاً ودعماً بالعناصرِ والعتادِ خارجَ الأطُرِ والقنواتِ الرسميةِ. لذلك قد لا يكون صحيحاً أبداً ذلكِ الزعمُ القائلُ إن الدولَ الغربيةَ تمتنِعُ عن دعمِ الثورةِ السوريةِ خوفاً من قطفِ السلفيينَ لثمارِ الثورةِ. ذلك أنَّ الفراغَ المتولدَ جرّاءِ التقاعسِ الدوليِّ هو عينُه ُسببُ تزايدِ التأثيرِ الأصوليِّ على الأرضِ. هذا الاستقطابُ مفيدٌ مرحلياً للنظامِ السوريِّ إذْ يؤكدُ نظريتَه التي أطلَّ بها منذُ اليومِ الأولِ للنزاعِ والتي تفترضُ أنْ لا وجودَ لأيِّ حراكٍ شعبيٍّ وإنْ هي إلا مجموعاتٌ مسلحةٌ من المرتزقةِ الإرهابيينَ. ولعلَّ النظامَ يتواطَؤ بشكلٍ أو بآخرَ مع هذه المجموعاتِ الأصوليةِ فيضربُ الجيشَ الحرَ والفصائلَ غيرَ المتطرفةِ بيَدٍ من حديدٍ بينما يتهاونُ في ضربِ خلايا السلفيينَ. وهو يهدفُ عبر ذلك إلى بلوغِ مرحلةٍ يستطيعُ فيها أن يُحرِجَ المجتمعَ الدوليَّ إذ يُخيّرُه بين حكمِ البعثِ وحكمِ الأصوليةِ. ولا شك أن اللاعبِين الدوليين على معرفةٍ تامةٍ بقواعدِ اللعبةِ وأبعادِها، لكنَّ جعلَ سوريا بؤرةَ استقطابٍ للعناصرِ المتطرفةِ يريحُ الغربَ ويساعدُه على لملمةِ أطرافِ مأساتِه الأفغانية والعراقية إذ أنه في مرحلة لاحقة لن يستطيع النظام أن يحافظ طويلاً على التوازنِ بينه وبينَ الأصوليينَ وسيخسرُ عاجلاً أم آجلاً ورقةَ الضغطِ تلك وسيكونُ بالتالي مجبراً على محاربةِ الأصوليةِ بالإنابة عن الغربِ، بينما يقاتلُ السلفيونَ بالإنابةِ عن الغربِ أيضاً لإخراجِ سوريا منَ المحورِ الروسي الإيراني، وهو أمرٌ واقعٌ أصلاً بمجرّدِ زعزعةِ استقرارِ نظامِ الأسدِ، وهذه الحربُ بالإنابةِ هي المطلوبةُ دولياً. فالغربُ يخوضُ الحربَ من بعيدٍ ومن دون أيّ تدخلٍ ومن الجهتينِ معاً بحيث تكونُ جميعُ المعاركِ مربحةً له بغضِّ النظرِ عن نتائِجها. وقد تكونُ روسيا قبلَ سواها معنيةً بإطالةِ أمدِ التوازنِ بين النظامِ والسلفيينَ خوفاً من انتقالِ الماردِ السلفيِّ إلى العمقِ الروسيِّ في حالِ مالَتِ المعاييرُ إلى طرفٍ دونَ آخرَ قبلَ أن يمتصَّ الطرفانِ قوةَ بعضِهما البعضَ ويستنزفَ أحدُهما الآخرَ.
الأفغنةُ فالبلقنةُ
تُشكّلُ هذه المُراوحةُ التي ارتُهنَ لها الواقعُ السوريُّ مع ما يقابلُها ميدانياً من كرٍّ وفرٍّ مدخلاً إلى تفريغِ مناطقِ الاشتباكِ من سكانِها ورسمِها واقعياً خطوطَ تماسٍ فاصلةً جغرافياً بين المتحاربِين. ليسَ من قبيلِ المصادفةِ أن لا تكونَ خطوطُ التماسِ الناشئةُ تلك إلا تظهيراً لخطوطٍ مبهمةٍ غيرِ واضحةِ المعالمِ كانت في السابقِ تفصلُ ولو معنوياً بين الطوائفِ والقومياتِ المختلفةِ في سوريا. فبعدَ سنتينِ من بدءِ المواجهاتِ أصبحَ واضحاً أن مذهبةَ الصراعِ لا أدلجتُه هي التي ستشكِّلُ معالمَ المرحلةِ التاليةِ من الحربِ. ومن غيرِ المحتملِ أن يستطيعَ النسيجُ السوريُّ الحفاظَ على وحدتِهِ بعد كلِّ الدماء المراقةِ خصوصاً أن الصراعَ المتصاعدَ مرشحٌ أن يسقِطَ عن النظامِ ما يتبرجُ به من حلفاءَ من السنَّةِ والأقلياتِ التي ستسعى عاجلاً أم آجلاً إلى التواصلِ مع الثوارِ في مناطقَ نفوذِهم وفتحِ قنواتِ الحوارِ معهم للحفاظِ على بقائِها في مرحلةِ ما بعدَ الأسدِ. وفي الوقتِ الذي يزدادُ فيه نفوذُ الإسلاميين على الأرضِ سيتحولُ الصراعُ أكثرَ فأكثرَ إلى حربٍ بين التكفيريين والعلويين بينما ستحاولُ الأقليات النأيَ بالنفس قدرَ الإمكانِ. هذا الشرخ الطائفي والمناطقي سيزداد وضوحاً مع ذوبانِ الأقلياتِ في المناطقِ المختلطةِ في بوتقةِ الأكثريةِ السنيةِ بينما ستحافظُ الأقلياتُ التي تسكن مناطقَ غير مختلطةٍ على وجودِها الوسطيِّ المستقلِّ أو ستُبقي على تحالفِها مع العلويينَ مما سيجعلُها في عداءٍ مباشرٍ مع محيطِها السنّيِّ مما يحتّمُ نشوءَ خطوطِ تماسٍ أو حدودٍ طائفيةٍ جديدةٍ. وفي الحالين ومع انفراطِ عقد النسيجِ السوريِّ سيكونُ التقسيمُ (مرحلياً كان أو دائماً) هو الأمرُ الواقعُ. أي أننا إزاءَ تقمصٍ جديدٍ لمشروعِ كيسنجر الذي أُرجّحُ أنه لم يسقطْ يوماً من برنامجِ الغربِ وإنما سُحب من الواجهةِ بانتظارِ الظروفِ المناسبةِ لتنفيذه وها هي الظروفُ تتاحُ اليومَ. ولن يكون الغرب ممانعاً، والظرفُ الراهنُ يتيحُ الفصلَ الطائفيَ والعرقيَ، أن يتمَّ التقسيمُ وهو على الأقلِّ سيكونُ مباركاً له إن لم يكنْ أولَ الساعينَ لحدوثِه. وبما أن المراوحةَ ستكونُ بوابةَ التقسيمِ فإنها تصبح سبباً آخرَ يضافُ إلى أسبابِ عدمِ رغبةِ الغربِ في الحسمِ راهناً.
موطِئ القدمِ الأخيرِ
تبقى روسيا الخاسرَ الأكبرَ على كلِ حالٍ إذْ تكرّرُ في سوريا أخطاءَها العراقيةَ والليبيةَ رغمَ بعضِ الأرباحِ التي ستجنيها سياسياً من أفغنةِ سوريا واقتصادياً من استمرارِ النزاعِ وبقاءِ سوقِ الأسلحةِ مفتوحاً. ولا أراهنُ على ذكاءِ السياسةِ الخارجيةِ الروسيةِ، التي خذلت المراهنين عليها غيرَ مرةٍ، في خلقِ فرصٍ جديدةٍ للعملاقِ الأبيضِ في سوريا لاسيما أنها حتى الساعةَ مصممةٌ على دعمِ النظامِ المتآكل. لعلَّ السياسةَ الروسيةَ تقومُ على إطالةِ أمدِ الصراعِ وإنشاءِ غرفةِ عنايةٍ فائقةٍ للنظامِ فتطيلَ احتضارَه حتى تُحققَ أكبرَ قدرٍ ممكنٍ من المكاسبِ في ظلِّ الظرفِ الحالي ريثما تظهرُ في الأفقِ أوراقُ ضغطٍ أخرى تتسعملُها في التفاوضِ مع الغربِ خصوصاً أنها بسقوطِ حليفِها السوري تخسرُ آخرَ موطئِ قدمٍ لها في المنطقة العربية. لذلك لن تسعى روسيا إلى أي تغييرٍ ولن تبدأ بفتح خطوطٍ مع المعارضة السورية خشيةَ أن يشكلَ ذلك ثقباً في جدار المراوحةِ وهذا لن يكون أبداً من مصلحة الكريملين.
حاصل القولِ إن الأفقَ السوريَ ما كان ليُسدَّ لولا شاءتْ له الأطرافُ الاقليميةُ والدوليةُ ذلكَ ولولا تقاطعتْ مصالُحها عندَه. وهذا البرودُ الذي يتّسمُ به دعمُ الدولِ الغربيةِ للثورةِ ليس نتيجةَ عيبٍ وُلِدَ من رحِمِها إنما هو استغلالٌ لها وتوظيفٌ يخدمُ سياساتِ الدولِ الكبرى واقتصاداتِها.





لقد أصبت في وضع يدك على لب الازمة السورية ،إن الغرب ليس بالقلق على الوضع ، وإن الحرب لن تضع أوزارها قبل أن تُستنفذ كل الطاقات وقبل ان تصل سوريا الى حافة الافلاس ، الغرب هو الرابح حقاً في كل النتائج من خفض مستوى الخطر في الشرق اي اسرائيلٌ آمنة الى إعادة الإعمار التي ستتولاها الدول الكبرى بعد ان يطرحوا في سوق السلاح أكبر قدر منه ان كان بأموال الشعب السوري اي النظام أو مال النفط المتمثل بالسعودية وقطر.
أخيراً يجب ان نأخذ بعين الاعتبار إن حادثة الجزائر بقتل العشرات من الاجانب أكدت للغرب خطورة
الاصولية وشعارهم في مقاتلة الصليبيين لهي أصعب من خطر أنظمة شمولية كسوريا والتي يسهل التعامل معها بطريقة ما ، لهذا ان هذه الحادثة تصب في مصلحة النظام السوري وبالتالي إطالة الازمة.
ونحن نسير بخطى متسارعة نحو شرق أوسط جديد عن طريق الفوضى الخلاّقة .
مع تحيات وسيم يحيى